كلمة السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد  في القمة العربية الحادية والعشرين - الدوحة

30-03-2009م

كلمة السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد  في القمة العربية الحادية والعشرين - الدوحة

الإخوة والقادة العرب

أيتها الأخوات أيّها الأخوة

أحييكم أطيب تحية وأتوجه بالتحية والتقدير إلى دولة قطر والشعب القطري الشقيق على استضافة قمتنا العربية وأتوجه بالشكر والاحترام إلى أخي سمو الأمير حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر على جهوده في تهيئة الأجواء الطيبة لانعقادها. لقد كانت الفترة الفاصلة بين قمة دمشق وقمتنا اليوم مليئةً بالأحداث النوعية سواءٌ على مستوى المنطقة أو العالم.

إذا كانت صفة الخطورة والسلبية قد طغت على تلك الأحداث فإنها لم تخلو من إيجابيات محدودة قد تعطي بعض الأمل بتغيير للأفضل، وبالرغم من تنوعها الكبير فإن ما جمع بينها هو حالة العجز الدولي عن معالجة أسبابها وتداعياتها التي خرجت عن حدود السيطرة ولم تعد تستثني دولة غنيةً كانت أم فقيرة ناميةً أم متقدمة، وما نسميه عجزاً دولياً ليس في الواقع سوى احتكارٍ دولي من قبل عددٍ محدودٍ من الدول للقرارات المتعلقة بالسياسة والاقتصاد والتقنيات وغيرها على مستوى العالم والذي أفضى إلى نتائج كارثية أصابت العالم برمته. وإذا كنا كدول عربية سندفع الثمن الذي يدفعه بقية العالم اليوم كنتيجةٍ لاقتصادٍ عالميٍ يتدهور يضاف للثمن الذي ندفعه كضريبةٍ للخلل السياسي المزمن في العالم وفي منطقتنا فإن هذا الاحتكار الدولي شكل باباً موصداً في وجه أي مشاركة من قبل الدول الأخرى وشعوبها والذي دخل منذ سنوات قليلة في طور التآكل قد أوصل العالم إلى أزمةٍ قد تشكل بالنسبة لنا على الرغم من قسوتها فرصة وباباً مفتوحاً نتشارك من خلاله مع الآخرين في عملية البحث عن أسس لنظام عالمي جديد يحقق العدالة بين الشعوب، ليس من خلال البحث الأكاديمي عن نظرياتٍ جديدةٍ نطبقها بل من خلال إثبات موقعنا ورسم مستقبلنا بإرادتنا هذه المرة وليس بإرادة الآخرين.

فعملية التغيير الشاملة التي تحصل الآن في العالم تشبه إلى حدٍ كبير عملية إعادة صياغة العالم منتصف القرن الماضي عندما توسلنا الآخرين حقوقاً كانت بأيدينا سلمناهم إياها ليعيدوها لنا فتجاهلوها وما يزالون، وبما إننا لا نسعى لتكرار الأخطاء فعلينا أن ندرك أن العالم لا يحترم إلا من يحترم نفسه، ولا يعطي موقعاً إلا لمن يأخذه بيده ولا يعيد حقاً إلا لمن يعمل على إعادة حقوقه ويتمسك بها ويدافع عنها ويقاتل من أجلها.

حينذاك يعني أننا في بداية الطريق الصحيح باتجاه المستقبل وتتمة هذا الطريق تكون بامتلاك الإرادة والحماس، ومن ثم تحقيق التفاهم وتكريس التضامن الذي كان عنواناً لقمة دمشق والذي عملنا من أجل تحقيقه بجدٍّ ودون كلل مباشرة بعد تلك القمة مع عدد من القادة والمسؤولين العرب الذين عملوا بصمتٍ وهدوء إلى أن وصلنا إلى ما تحقق من مصالحاتٍ ولقاءاتٍ مؤخراً بين قمة الكويت الاقتصادية وقمتنا الحالية، ومن الطبيعي أن تكون المصالحات هي الموضوع الأهم في هذه المرحلة بوصفها الأرضية التي يبنى عليها النجاح أو الفشل لأي قرارٍ نتخذه في جميع المجالات، ففي ظل غياب التضامن أو ضعفه يبقى أي اتفاقٍ أو قرارٍ مجرّد وهمٍ غير قابلٍ للتنفيذ، ولاشك لدينا أن المواطنين العرب كادوا يفقدون الأمل في أن يكون الخلاف بين الدول العربية هو حالةٌ طارئة بعد أن أصبح التضامن هو الحالة العابرة في العلاقات السائدة بين دولنا، وما يعنيه ذلك من فقدانهم الأمل في أن يتجسد أي شيء حقيقي من المواضيع الأخرى على أرض الواقع وتكريس حالة الإحباط السائدة لديهم أصلاً.

وهذا ما كان جلياً في أوضح صوره منذ أشهر قليلة وتحديداً في فترة العدوان الإسرائيلي على غزة الذي كان النتاج الطبيعي للعقل الإجرامي الإسرائيلي من جهة، والنتاج غير الطبيعي للضعف العربي الناجم عن انقسامنا من جهة أخرى إلا أن التبدلات التي حصلت في الأسابيع الأخيرة التي تلت قمة الكويت الاقتصادية قد أعادت بصيص الأمل لدينا جميعاً في إمكانية الانتقال بهذه العلاقات باتجاهٍ أفضل، ولكن يبقى التساؤل الذي يدور في ذهن كل مواطنٍ عربي هل هذا مؤقتٌ أم دائم؟ ونتساءل نحن كمسؤولين كيف نجعله ثابتاً لا متغيراً، وجوابي هو بالمنهجية والمأسسة، فحتى هذه اللحظة لا تزال علاقاتنا تخضع لنا كأشخاص لطبائعنا وأمزجتنا وبالتالي فهي معرضة لاحتمال سوء الفهم والتقدير وللانتكاسة في كل مرة تواجهنا مشكلة ذات حساسية ما، والاستمرارية فيما بدأناه لا تتحمل التبدلات الحادة وغير المتوقعة وإن أي إنجاز نسعى إليه ينطلق من امتلاك الإرادة، وأؤكد بثقة أنها موجودة لدينا جميعاً لكن الإرادة الصادقة والنية الطيبة وحدهما غير كافيتين فهما القاعدة والأساس لكننا نسعى اليوم للبناء الكامل.

والمشكلة أيها الإخوة ليست في وجود الاختلاف بحد ذاته فهو طبيعي وملازم لتنوع طبيعة البشر سواء في الأمة الواحدة أو الوطن الواحد أو الأسرة الواحدة، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة تعاطينا معها وفي طريقة إدارتنا للخلاف، والذي لا يمكن أن نديره بشكل سليم ما لم نبدأ من توحيد رؤيتنا للتضامن الذي نريد.

فالتضامن العربي لا يعني التطابق العربي بل يعني التكامل العربي، وهو ليس عملية استنساخ للمواقف بل هو عملية تنسيق بينها، والتطابق في المواقف يحتاج لظروف متطابقة تنتج رؤيةً واحدة، وهذا غير موجودٍ لأسبابٍ موضوعية، أما الاختلاف فبدل من أن نراه بشكله السلبي كتناقض بيننا فلنره بوجهه الإيجابي كتنوعٍ يعبر عن الغنى في حال تمكنا من استثماره من خلال تكامل عناصره المختلفة، والخلاف بيننا ليس على المصالح فلا وجود في الواقع لأي تناقضٍ أو تضاربً في المصالح بين أي دولتين عربيتين بل هو اختلاف في وجهات النظر المطروحة، والمدخل في مثل هذه الحالة لأي تضامن عربي يكون بالحوار القائم على قبول الاختلاف الذي يفرضه اختلاف الظروف التي تحيط بكل دولة، وبالتالي ينتفي المبرر والإمكانية لتحوله إلى خصومة مريرة تؤدي في محصلتها إلى الإضرار بالمصالح المشتركة التي لم تكن في الأساس سبباً للمشكلة الناشئة، وإذا كان هذا الأساس ن ضرورياً للنهوض بواقع التضامن العربي فهو غير كاف بكل تأكيد، فالممارسة السياسية المحددة بضوابط مؤسساتية ضروريةٌ لاستمراره واستقراره.

واسمحوا لي أن أطرح بعض النقاط العملية المستخلصة من تجاربنا العربية خلال السنوات الماضية والتي أراها كفيلةً بتجنب الكثير من المطبات في علاقاتنا العربية.

النقطةُ الأولى: تتعلق بضرورة طرح أي مبادرة من قبل أي دولة عربية قبل انعقاد القمة بفترة زمنية محددة يجري الاتفاق عليها بحيث لا يجوز تجاوزها من جانب أي دولة لكي تتاح الفرصة لجميع الدول العربية لدراستها والتشاور حولها، حيث دللت تجاربنا الماضية أن بعض المبادرات قد لا تكون محل اتفاقٍ أو إجماع، وقد تؤدي إلى حدوث شرخ في العلاقات العربية يمكن تلافيه فيما لو تم التشاور بشأنها قبل طرحها وبالتالي تفادي أي فشل محتمل للقمة المنعقدة.

النقطة الثانية: هي حول عدم طرح مبادرات تتعلق بقضايا محددة تخص دولاً معينة دون موافقة تلك الدول الأساسية المعنية انطلاقاً من مبدأ الوقوف إلى جانب بعضنا البعض وليس الحلول محل بعضنا البعض فأصحاب القضية هم الأحق والأقدر على تحديد احتياجاتهم وتقدير مصالحهم.

أما النقطة الثالثة فهي بالنسبة للمبادرات التي تطرح وتتعلق بالقضايا الخلافية التي تطرح أو التي تنشأ بين دولتين أو بين أطراف في دولة واحدة فنرى أن تبني أو دعم مؤسسة الجامعة على مستوى المبادرة يجب أن يكون مبنياً على قبول كافة الأطراف المعنية بالمبادرة لها وليس قبول البعض من هذه الأطراف لهل وذلك كي لا تجعل الجامعة من نفسها طرفاً بدل من أن تكون راعياً ومساعداً وما ينتج عن ذلك من تعقيد للمشكلة من جانب وزيادة احتمال انقسامنا كدول عربية حول الموقف من المبادرة والحلول من جانب آخر وفي كل الأحوال فإذا بقي خلاف فلنناقشه وجهاً لوجه وهي الغاية الأساسية من عقد القمم واللقاءات العربية على مستويات مختلفة ولكن ومهما اشتدَ الخلاف فلا يجوز أن يصبح الخلاف خارج الإطار العربي ولا أن يسيء أحدنا للآخر أمام الآخرين وإلا فكيف لنا أن نطالب الآخرين بسياسات واحدة تجاه قضايانا ونحن نتعامل معها بسياسات متعددة أو كيف نطالبهم بسياسة تعدم مصالحنا ونمارس سياسات ضد بعضنا البعض.

أيتها الأخوات أيها الإخوة

لقد شهدنا جميعاً العدوان الإسرائيلي على غزة وشهدنا بأم أعيننا الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين الأبرياء وعلى الرغم من إجماعنا على أن الخلاف الفلسطيني مهد للعدوان إلا أن هذا لا يجعلنا ننسى المجرم الحقيقي ومع تأكيد دعمنا اللامحدود كقادة عرب للمصالحة الفلسطينية التي نرى فيها مناعةً للشعب الفلسطيني ووقايةً من أي عدوان إسرائيلي محتمل إلا أن هذا لا يجعلنا نغفل حقيقة إسرائيل كدولة مبنية على العدوان والقتل وعلى أنها ترى مستقبلها في تهجير الفلسطينيين إلى وطن بديل بهدف الوصول إلى الدولة اليهودية المنشودة ومع ارتياحنا لأن نرى معظم دول العالم تدرك حقيقة توجهات الحكومة الإسرائيلية المنتخبة مؤخراً والمعادية للسلام فإننا نؤكد أن هذه الحكومة تعبر عمن انتخبها وهي رسالة واضحة غير مفاجأة لنا تعلن أن السلام بالنسبة للإسرائيليين خيار تكتيكي فقط يرمي للتغطية على أهدافهم البعيدة المؤسسة على عدم إعادة أية حقوق اغتصبت منا وهذا لا يتطلب منا استبدال إستراتيجية خيارنا بالنسبة للسلام ولكن ينبغي على التكتيك والآليات أن تتغير ليس مع تغير الحكومات في إسرائيل وإنما مع ثبوت الغايات الحقيقية العدوانية للإسرائيليين اتجاهنا واتجاه العملية السلمية وفي هذا الإطار فلقد دار جدال واسع مؤخراً حول موضوع المبادرة العربية للسلام بعد الإسرائيلي على غزة وبناءً على حوارات قمة غزة في الدوحة وقمة الكويت الاقتصادية وحديثي في هذا الموضوع ينطلق من كون سوريا واحدةً من الدول الثلاث المعنية مباشرةً بعملية السلام مع لبنان وفلسطين ومن كون الموضوع بحد ذاته يتعلق بمصالحنا الوطنية وعلينا أن نقاربه بدقة متناهية وبوضوحٍ تام وبعيداً عن أية مجاملات قد تسيء إلى مصالحنا.

والأساس في أي حديث عن موضوع السلام هو أن لا نربط بين توجهاتنا العامة اتجاه السلام وبين المتغيرات داخل إسرائيل، فتوجهاتنا تعكس حقوقنا ومصالحنا الثابتة ويجب أن لا تتبدل مع التبدلات في إسرائيل وإلا فإن الإسرائيليين سيفرضون علينا ظروفهم الدائمة التغير بدلاً من أن نفرض عليهم ثبات موقفنا تجاه قضايانا وحقوقنا إذ أن ما يتغير في إسرائيل هو المظهر فقط أما المضمون فهو نفسه دائماً لذلك ينشغل البعض بتغيير مظهرهم ويغفل عن ثبات حقيقتهم التي هي ضد السلام.

ومعنى ذلك أن لا نجعل من السلام رهينة التبدلات في إسرائيل فمجيء حكومة يمينية أو متطرفة لا يغيير في الواقع شيئاً فيمينهم كيسارهم كوسطهم جميعهم يتنافسون على أراضي العرب وأرواحهم ودمائهم، وجميعهم يعكس حقيقة أن المجتمع الإسرائيلي غير مهيأ للسلام، وهو لم يكن مهيأ من قبل ولكن حالته تسوء يوماً بعد يوم، وعلينا توقع مجيء حكومات أكثر رفضاً للسلام مع مرور الوقت يتم اختيارها من قبل مجتمع يزداد تطرفاً وميلاً للعدوان.

هذا يعني بوضوحٍ لا جدال فيه بأننا كطرف عربي ومنذ أطلقنا المبادرة العربية للسلام لا يوجد لدينا شريك حقيقي في عملية السلام، والتي لا يمكن أن تنجز بطرف واحد عربي فقط، فمن الناحية العملية هذه المبادرة غير فاعلة ولو عملنا على تفعيلها وذلك لعدم اكتمال شروط التفعيل هذا، لأن إسرائيل لن تقبل بمبادرة تستند إلى المرجعيات التي تعيد الحقوق لأصحابها، أي أن إسرائيل هي من قتل المبادرة وليس قمة الدوحة كما حاول البعض تسويقه، وهذه المبادرة ليست مرجعيةٍ جديدة بل هي تأطيرٌ للمرجعيات التي يتمسك بها العرب من أجل تحقيق السلام.

يضاف إليها استعداد العرب الجماعي لتوقيع السلام في حال التزمت إسرائيل بالسلام كحافزٍ لها ونحن كطرفٍ عربي لن نتخلى عن هذه المرجعيات التي تضمن حقوقنا ولن نتخلى عنها لذلك كان طرح تعليق المبادرة العربية في قمة الدوحة كردٍ طبيعي على استهتار إسرائيل بالسلام والذي بلغ ذروته في العدوان على غزة، إذاً فإن عدم سحب المبادرة من جانبنا يعني أن نتمسك بالمرجعيات المتضمنة فيها والتي تتهرب إسرائيل منها كما أن تعليقها يعني أن الشروط الضرورية لتفعيلها وفي مقدمتها وجود طرف إسرائيلي مستعدٍ لقبولها غير متوفرة، كما أنه يعني بقائها مطروحةً لكن بصورةٍ شرطيةٍ فعندما تتوفر هذه الشروط يمكن عندئذٍ تفعيلها والعمل بمضمونها وعلى من يريد العمل معنا في إطارها أن يقنعنا بوجود الطرف الآخر الراغب جدياً بالسلام، أما بالنسبة للطرح الذي يقول بأنه علينا أن نعطي المبادرة كورقة للدول التي تريد التحرك لدعم عملية السلام فنحن نحترم هذا الرأي ولكن نقول بأن الورقة التي بأيديهم هي المرجعيات المتضمنة في المبادرة يمكنهم التحرك بناءً عليها لأنها هي الجوهر والأساس، وعندما يتمكنوا من إقناع الإسرائيليين فالمبادرة موجودة ويمكننا حينها العمل معهم من خلالها كل ذلك أن طرق الأبواب لتسويق المبادرة أو لإقناع الآخرين بقيمة ما نطرحه من خلال وصولٌ باسم القمة لا جدوى منه وهو ما اعتمدناه سابقاً في اتجاهٍ لتفعيل المبادرة عقب كل قمةٍ تلت إطلاقها على أمل أن نرى تحولاً إسرائيليا جدياً وهو احتمالٌ لا نراه في المدى المنظور قابلاً للحدوث أو أن نرى تحولاً دولياً يقوم بالضغط على إسرائيل لدفعها باتجاه عملية السلام، وهذا الذي لم يحدث حتى الآن بل إن ما حدث هو عكسه تماماً في قمة الإتحاد من أجل المتوسط في باريس عندما رفضت الدول الأوربية المشاركة وضع المبادرة في البيان الختامي ومن ثم عادوا وأبدوا حماساًُ لها فما سر هذا التناقض غير المبرر لذلك علينا أن لا نعتمد على الآخرين ولا أن نبني على مواقفهم بل يجب الاعتماد على قوتنا الذاتية وفي هذا الإطار فإن السلام لا يتحقق مع عدوٍ لا يؤمن بالسلام دون أن يُفرض عليه بالمقاومة فرغبتنا بالسلام هي الدافع لنا لدعم المقاومة ودعمها هو واجبٌ وطنيٌ وقوميٌ وأخلاقي، وهو خيارنا الوحيد في غياب الخيارات الأخرى فلنجعلها فوق خلافاتنا الظرفية كقضيةٍ نتوحد حولها وكمبدأ نؤمن به طالما وجدا احتلال أو اغتصب حقّ، فأيماننا بالسلام وتمسكنا به قويٌ كقوة إيماننا بالمقاومة وتمسكنا بها، وإذا كانت مسؤولية الفشل في تحقيق الاستقرار في منطقتنا تحمل للوضع الدولي فنحن أيضاً نتحمل المسؤولية المباشرة في ذلك عندما لا نتصدى لمحاولات مصادرة قراراتنا والتحكم بمصيرنا والتدخل في شؤوننا الداخلية.

وما يحصل حالياً بحق السودان هو فصلٌ جديدٌ من فصول استضعاف العرب وعدم احترام سيادة دولهم، وما إصدار محكمة الجنايات الدولية مذكرةً بحق رئيسٍ عربيٍ تحت عناوين مزيفة سوى مرحلةٍ من مراحل تقسيم السودان بهدف إضعافه ومن ثم الاستيلاء على ثرواته وتقاسمها بين مجموعة من الدول تسعى لتكرار تجربة الانتداب عبر تسخير المؤسسات الدولية  تمهيداً لعودة الاستعمار الحديث بشكلٍ أكثر حداثة، وإذا كنا نحترم القرارات الدولية والمؤسسات المشرعة لها والمتفرعة عنها فنحن لم نعتبر يوماً أنها تحل محلنا أو تقرر مصيرنا دولاً وشعوباً، وإذا كنا نحترمها فلأننا ملتزمون بالميثاق الذي وقعت عليها دولنا ولذلك أي قرار يشكل خروجاً على هذا الميثاق علينا أن نرفضه من دون تردد وبمعنى أكثر وضوحاً فما يسمى اليوم بالشرعية الدولية لم يكن ولا يجوز أن يكون أعلى من الشرعية الوطنية فأي بلدٍ يحترم نفسه ويحمي استقلاله مهما كبر الثمن، وما يتعرض له السودان هو ما تعرضت له فلسطين في بدايات القرن الماضي لا زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم ونحن مدعوون اليوم ليس لانتقاد المذكرة ولا توصيفها وكلنا يتفق حول تسييسها وإنما لرفضها من الأساس والدعم المطلق للسودان في هذه المرحلة من المواجهة لكي نجنبه ونجب دولنا المراحل التالية التي ستليها حتماً وصولاً إلى تفكيكه، أما حججهم الواهية في ارتكاباتٍ ملفقةٍ ارتكبها السودان فنناقشهم بها بعد أن يقوموا بجلب من ارتكب الفظائع والمجازر في فلسطين ولبنان والعراق إلى المحكمة مدانين بنفس التهم ولكن غير الملفقة بل مثبتة بالوثائق وبالوقائع وفي حال فشلنا في تحمل مسؤوليتنا الراهنة مع ما يعنيه ذلك من نتائج مدمرة لنا جميعاً فسوف نتحمل المسؤولية التاريخية عن عدم قيامنا بواجبنا تجاه قضيةٍ واضحةٍ وضوح الشمس في بداياتها ومبراراتها وأدواتها وأهدافها، أما ما نسمعه من آراءٍ حول خطواتٍ سياسيةٍ معينة نقوم بها نحن والسودان أو دعواتٍ لتأجيل القرار لمدة عام أو القيام بإرسال رسائل لأيٍّ كان، فكل ذلك لن يجعلنا نحقق شيء وسيشجع الدول التي وقفت بالخفاء خلف القرار بالقيام بالمزيد من محاولات التدخل المشابهة والتي لم تقتصر على السودان بل ستتعداه إلى دول أخرى عربيةٍ أو غير عربية، لذلك أكرر دعوتي للقمة لاتخاذ موقفٍ جريءٍ واضحٍ لا لبس فيه يرفض ولا يوصف يحسم ولا يسوف.

أيها الإخوة والأخوات

كما ذكرت في البداية فالقضايا والمواضيع التي مرت خلال عامٍ مضى كثيرة وتم عرضها بالتقرير المرفق بالرسالة التي وجهتها للقادة العرب لذلك ارتأيت التطرق في كلمتي هذه إلى عددٍ من القضايا التي أراها أكثر إلحاحاً للنقاش فيها وبغض النظر عن تفاصيل المواضيع المطروحة أمامنا فآفاقها مرتبطة بالموقع الذي نقرر أن نقف فيه سواءٌ أردنا أن نكون تابعين في المؤخرة أو شركاء في المقدمة، فإذا اخترنا الثانية فأسسها الثقة بالنفس بالأمة بشعبها بتاريخها أساسها القيام بواجباتنا اتجاه قضايانا بدل انتظار هباتٍ تقدم إلينا من الآخرين هي ليست حتماً لهم، هي ليست حقاً لهم بالأساس وعلينا أن نسمي الأشياء بلغتنا نحن فالحرب على الإرهاب هي حرب علينا لصالح الإرهاب، ونشر الديمقراطية من قبل الغير هو نشرٌ للفوضى.

عدم إعطاء إسرائيل الذرائع يعني عدم مطالبتها بالحقوق يعني الانهزام أمامها واختراع أعداء وهميين في منطقتنا يحلون محلها كعدوٍ وحيدٍ هو مساعدةٌ لها أما المقاومة فهي شرفٌ لنا وليست تهمةٌ ضدنا ولا عارٌ علينا فلنفتخر بها ، علينا أن لا نسمح للغير بتوصيف قضايانا فلا نقصّر بحق شعبنا ولا نخسر بلدانٍ تعاطفت معنا ولا نعطي المجال لكل من يريد أن يحل محلنا أو يتدخل في شؤوننا أي علينا أن نتوكل لا أن نتواكل عندها فقط نحجز موقعاً يليق بطموحاتنا ونفرض رؤيتنا ونصدر بدل أن نستورد مصطلحاتنا المعبرة عن واقعنا عن رؤيتنا عن مصالحنا وعندها يكون لكل خطوةٍ نخطوها أثرها ولكل قمةٍ نعقدها وزنها.

إنني أتطلع معكم إلى أن تحقق هذه القمة الأهداف التي وضعناها نصب أعيننا ولا أرى ذلك بالأمر العسير بل هو بأيدينا ورهن إرادتنا وبهذه الإرادة نتمكن من كسب الرهان على المستقبل.

أحييكم أيتها الأخوات أيها الإخوة
ويسعدني أن أسلم رئاسة القمة إلى أخي سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر الذي أشارككم الثقة بأنه خير من يحمل الأمانة والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.

<< الكلمة السابقة

العودة للصفحة الرئيسية للكلمات